الشيخ محمد رشيد رضا
309
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الشفاعة المتعلقة بالحرب وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال والذين يبيتون ما لا يرضي اللّه تعالى من خلاف ما أمر به الرسول ( ص ) ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها ، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم ، وهو عين الشفاعة اه ثم أقول إن العلماء متفقون على أن شفاعة الناس بعضهم لبعض تدخل في عموم الآية وانها قسمان حسنة وسيئة فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم ، أو جر منفعة إلى مستحق ، ليس في جرها اليه ضرر ولا ضرار ، والسيئة ان يشفع في إسقاط حد ، أو هضم حق ، أو اعطائه لغير مستحق ، أو محاباة في عمل ، بما يجر إلى الخلل والزلل ، والضابط العام أن الشفاعة الحسنة هي ما كانت فيما استحسنه الشرع ، والسيئة فيما كرهه أو حرمه ومن العبرة في الآية ان نتذكر بها أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده الا بإعلامه ما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له ، ولا يقبل الشفاعة لأجل إرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل وينافي المصلحة العامة ، وأما الحاكم المستبد الظالم فهو الذي تروج عنده الشفاعات لأنه يحابي أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده فيثق بثباتهم على خدمته ، وإخلاصهم له ، وما الذئاب الضارية بأفتك في الغنم ، من فتك الشفاعات في إفساد الحكومات والدول ، فان الحكومة التي تروج فيها الشفاعات يعتمد التابعون لها على الشفاعة في كل ما يطلبون منها لا على الحق والعدل ، فتضيع فيها الحقوق ، ويحل الظلم محل العدل ، ويسري ذلك من الدولة إلى الأمة فيكون الفساد عاما وقد نشأنا في بلاد هذه حال أهلها وحال حكومتهم . يعتقد الجماهير انه لا سبيل إلى قضاء مصلحة في الحكومة الا بالشفاعة أو الرشوة ، ولا يقوم عندنا دليل على صلاح حكومتنا الا إذا زال هذا الاعتقاد ، وصارت الشفاعة من الوسائل التي لا يلجأ إليها الا أصحاب الحق بعد طلبه من أسبابه ، والدخول عليه من بابه ، وظهور الحاجة إلى شفيع يظهر للحاكم العادل ما لم يكن يعلمه من استحقاق المشفوع له لكذا ، أو وقوع الظلم عليه في كذا ، وان يكون ما عدا هذا من النوادر التي لا تخلو حكومة